ابراهيم بن عمر البقاعي
92
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
البعث ، ولأجل شدة ظهورها ناط الأمر فيها بالعقل فقال : لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وقال القالي : والمعنى أن المنصفين لما نظروا في السماوات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمنوا ، فإذا نظروا في خلق أنفسهم ونحوها ازدادوا إيمانا فأيقنوا ، فإذا نظروا في سائر الحوادث عقلوا واستحكم علمهم . [ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 6 إلى 12 ] تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ ( 6 ) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( 7 ) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 8 ) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 9 ) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 10 ) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ( 11 ) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 12 ) ولما ذكر هذه الآيات العظيمات ، وكانت كلها مشتركة في العظم ، بعد ما أشار إلى تباين رتبها في الخفاء والجلاء بفواصلها ، قال مشيرا إلى علو رتبها بأداة البعد : تِلْكَ أي الآيات الكبرى آياتُ اللَّهِ أي دلائل المحيط بصفات الكمال التي لا شيء أجلى ولا أظهر ولا أوضح منها . ولما كان كأنه قيل : ما لها ؟ قال ، أو يكون المراد : نشير إليها حال كوننا نَتْلُوها أي نتابع قصها عَلَيْكَ سواء كانت مرئية أو مسموعة ، متلبسة بِالْحَقِّ أي الأمر الثابت الذي لا يستطاع تحويله فليس بسحر ولا كذب ، فتسبب عن ذلك حينئذ الإنكار عليهم وعلى من يطلب إجابتهم إلى المقترحات طمعا في إيمانهم في قوله تعالى : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ أي خبر عظيم صادق يتجدد علمهم به يستحق أن يتحدث به ، واستغرق كل حديث فقال : بَعْدَ اللَّهِ أي الحديث الأعظم عن الملك الأعلى وَآياتِهِ أي والحديث عن دلالاته العظيمة يُؤْمِنُونَ * من خاطب - وهم الجمهور - ردوه على قوله « وفي خلقكم » وهو أقوى تبكيتا ، وغيرهم وهم أبو عمرو وحفص عن عاصم وروح عن يعقوب رأوا أن ذلك الخطاب صرف إلى خطاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ . ولما كان لا يبقى على الكفر نوع بقاء فضلا عن الإصرار بعد هذا البيان إلا من يستحق النكال لمجاهرته بالعناد ، قال على وجه الاستنتاج مهددا : وَيْلٌ أي مكان معروف في جهنم لِكُلِّ أَفَّاكٍ أي مبالغ في صرف الحق عن وجهه أَثِيمٍ * أي مبالغ في اكتساب الإثم وهو الذنب ، وعمل ما لا يحل مما يوجب العقاب ، وفسر هذا بقوله : يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ أي دلالات الملك الأعظم الظاهرة حال كونها تُتْلى أي